محمد راغب الطباخ الحلبي
184
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ويستبدل بهم في الثانية . وشكل البلد كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل ، والسور يصعد من الجبل إلى قلعة ويستتم دائرة . وفي رأس الجبل داخل السور قلعة تبين لبعدها من البلد صغيرة وهذا الجبل يستر عنها الشمس فلا تطلع عليها إلا في الساعة الثانية . وللسور المحيط بها دون الجبل خمسة أبواب ، وفي وسطها بيعة القسيان ، وكانت دار قسيان الملك الذي أحيا ولده بطرس رئيس الحواريين ، وهو هيكل طوله مائة خطوة وعرضه ثمانون ، وعليه كنيسة على أساطين ، ودائر الهيكل أروقة يجلس فيها القضاة للحكومة ومعلمو النحو واللغة . وعلى أحد أبواب هذه الكنيسة فنجان الساعات يعمل ليلا ونهارا دائما اثنتي عشرة ساعة ، وهو من عجائب الدنيا . وفي أعلاه خمس طبقات في الخامسة منها حمامات وبساتين ومقاصير حسنة ، وتخر منها المياه ، وهناك من الكنائس مالا يحد كثرة ، كلها معمولة بالفص المذهب والزجاج الملون والبلاط المجزع . وفي البلد بيمارستان يراعي البطريق المرضى فيه بنفسه . وفي المدينة من الحمّامات مالا يوجد مثله في مدينة من اللذاذة والطيبة ، فإن وقودها من الآس . وماؤها سيح ، وفي ظاهر البلد نهر يعرف بالمقلوب يأخذ من الجنوب إلى الشمال . وخارج البلد دير سمعان وهو مثل نصف دار الخليفة ، يضاف فيها المجتازون ، ويقال إن دخله في السنة أربعمائة ألف دينار ، ومنه يصعد إلى جبل الكام « 1 » ، وفي هذا الجبل من الديارات والصوامع والبساتين والمياه المتفجرة والأنهار الجارية والزهاد والسياح وضرب النواقيس في الأسحار وألحان الصلوات ما يتصور معه الإنسان أنه في الجنة . وفي أنطاكية شيخ يعرف بأبي نصر ابن العطار قاضي القضاة فيها له يد في العلوم مليح الحديث والإفهام « 2 » . وصفه لمدينة اللاذقية وخرجت من أنطاكية إلى اللاذقية ، وهي مدينة يونانية ولها ميناء وملعب وميدان خيل مدور ، وبها بيت كان للأصنام وهو اليوم كنيسة ، وكان في أول الإسلام مسجدا . وهي
--> ( 1 ) اللكلام بالضم وتشديد الكاف ويروى بتخفيفها وهو في شعر المتنبي مخفف ا ه معجم . ( 2 ) ذكر صاحب معجم البلدان هذه الرسالة في كلامه على أنطاكية وفيها زيادات كثيرة على ما هنا ، وكذا أوسع المقال عليها في الدر المنتخب المنسوب لابن الشحنة فارجع إليهما إن شئت .